-أنه سبحانه وتعالى "طيب" لا يقبل إلا الطيب ولا يصعد إليه من الأقوال والأعمال، ولا ينبغي أن يتقرب إليه العباد إلا بالطيب من ذلك، قال عز وجل:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَات مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُوا فِيهِ واعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَنِيٌ حَمِيدٌ ﴾[البقرة: 268]، وروى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «من تصدَّق بعَدْل تمرةٍ من كسبٍ طيب –ولا يقبل الله إلا الطيب –فإن الله يتقبَّلها بيمينه ثم يُربيها لصاحبها كما يُربِّي أحدكم فلوَّه ، حتى تكون مثل الحبل»، فلا يقبل الله تعالى الصَّدقة بالحرام، لأنه تصرفٌ فيما لا يملك، فمن تصدَّق من ربا أو سرقة أو غلولٌ فإن الله تعالى لا يقبله، كما قال ﷺ: «لا تُقبلُ صلاةٌ بغير طُهور، ولا صدقةٌ من غُلُول»، وكذلك كل الأقوال والأعمال لا يقبل الله عز وجل منها إلا الطيب الصالح، قال عز وجل:﴿ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمَ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعَهُ ﴾ [فاطر: 10]
إثبات ما يتضمنه اسم الله "الطيب" من الصفات، ودلالته على التوحيد:
فالله سبحانه "الطيب"، فالأسماء الطيبات والصفات الطيبات والكلمات الطيبات والأفعال الطيبات، كلها له سبحانه لا يستحقها أحد سواه، بل ما طاب شيء قط إلا بطيبته سبحانه، فطيب كل ما سواه من آثار طيبته.
محبة الله "الطيب"
من آمن بأن الله طيب في ذاته، بأسمائه، وصفاته، وطيب في أفعاله، وأنه لا يقبل من الصدقات إلا ما كان طيبا، ولا يقبل من الأعمال إلا ما كان طيبا؛ أحب ربه وأجله.
المؤمن ينبغي أن يكون طيبا في أحواله كلها: - إذ ان أهل الإيمان بالله هم الطيبون الذين عمرت قلوبهم بمحبة الله واتباعه، فطابت أقوالهم وأعمالهم، فلا يحبون إلا الطيب من كل شيء، ومن ذلك:
فلا يتكلمون إلا بالطيب الحسن من الكلام، كما قال تعالى في وصفهم:﴿ الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ ۖ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ ۚ أُولَٰئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ ۖ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ﴾[النور:٢٦].
قال مجاهد وابن جبير وأكثر المفسرين: ((المعنى: الكلمات الخبيثات من القول للخبيثين من الرجال، وكذا الخبيثون من الناس للخبيثات من القول، وكذا الكلمات الطيبات من القول للطيبين من الناس، والطيبون من الناس للطيبات من القول)). وقيل المعنى: ((الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال، وكذا الطيبات للطيبين [تفسير القرطبي ١٢/ ٢١١]
وقد قسّم الله تعالى الكلام إلى طيب وخبيث، فقال:﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ ﴾[إبراهيم: ٢٤]، و﴿ وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ ﴾[إبراهيم: ٢٦].
وقال تعالى:﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا ۚ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ۚ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ ۖ وَمَكْرُ أُولَٰئِكَ هُوَ يَبُورُ ﴾[فاطر:١٠].
يقول ابن القيم عند قوله تعالى:﴿ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ﴾((هو طيب سبحانه، لا يصعد إليه إلا طيب، والكلم الطيب إليه يصعد، فكانت الطيبات كلها له ومنه وإليه، له ملكا ووصفا، ومنه مجيئها وابتداؤها، وإليه مصعدها ومنتهاها)) [بدائع الفوائد ٢/ ١٦٢]
فلا يُقدِمون إلا على الأفعال والأخلاق الطيبة؛ وهي التي اجتمعت على حسنها الفطر السليمة مع الشرائع النبوية، وزكتها العقول الصحيحة، فاتفق على حسنها الشرع والعقل والفطرة، فهي المنبعثة من مقاصد وأهداف طيبة، ومن ذلك قوله تعالى:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الْأَرْضِ ۖ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلَّا أَن تُغْمِضُوا فِيهِ ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴾[البقرة:٢٦٧]
ومن أعظم ما تحصل به طيبة الأعمال للمؤمن
طيب المطعم، وذلك بأن يكون حلالا، فيزكو بذلك عمله، يقول تعالى:﴿ وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا ﴾[المائدة:٨٨]، ولذا أمر الله عباده المؤمنين بأن يأكلوا حلالا طيبا ثم يعملوا صالحا، ولا يقبل الله منهم إلا ما كان طيبا من الطعام والأعمال، ومما يدل على ذلك قول النبي ﷺ: »أيها الناس، إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: ﴿ يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾[المؤمنون:٥١]، وقال﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُو مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ﴾[ البقرة: 172] ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء، يا رب، يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك؟« - مما ذكره ابن القيم:
((فإن الطيب لا يناسبه إلا الطيب، ولا يرضى إلا به، ولا يسكن إلا إليه، ولا يطمئن قلبه إلا به، فله من الكلام الكلم الطيب الذي لا يصعد إلى الله تعالى إلا هو، وهو أشد شيء نفرة عن الفحش في المقال، والتفحش في اللسان والبذاء، والكذب والغيبة، والنميمة والبهت، وقول الزور وكل كلام خبيث، وكذلك لا يألف من الأعمال إلا أطيبها، وهي الأعمال التي اجتمعت على حسنها الفطر السليمة مع الشرائع النبوية، وزكتها العقول الصحيحة، فاتفق على حسنها الشرع والعقل والفطرة، مثل أن يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا، ويؤثر مرضاته على هواه، ويتحبب إليه جهده وطاقته، ويحسن إلى خلقه ما استطاع فيفعل بهم ما يحب أن يفعلوا به، ويعاملوه به ويدعهم مما يحب أن يدعوه منه، وينصحهم بما ينصح به نفسه، ويحكم لهم بما يحب أن يحكم له به، ويكف عن أعراضهم ولا يقابلهم بما نالوا من عرضه، وإذا رأى لهم حسنا أذاعه، وإذا رأى لهم سيئا كتمه، ويقبل أعذارهم ما استطاع؛ فيما لا يبطل الشريعة، ولا يناقض لله أمرا ولا نهيا، وله- أيضا- من الأخلاق أطيبها وأزكاها، كالحلم والوقار والسكينة والرحمة والوفاء، وسهولة الجانب ولين العريكة، والصدق وسلامة الصدر من الغل والغش والحقد والحسد، والتواضع وخفض الجناح لأهل الإيمان والعزة، والغلظة على أعداء الله، وصيانة الوجه عن بذله وتذلله لغير الله، والعفة والشجاعة والسخاء والمروءة، وكل خلق اتفقت على حسنه الشرائع والفطر والعقول.
وكذلك لا يختار من المطاعم إلا أطيبها، وهو الحلال الهنيء المريء الذي يغذي البدن والروح أحسن تغذية مع سلامة العبد من تبعته، وكذلك لا يختار من المناكح إلا أطيبها وأزكاها، ومن الروائح إلا أطيبها وأزكاها، ومن الأصحاب والعشراء إلا الطيبين منهم، فروحه طيبة، وبدنه طيب، وخلقه طيب، وعمله طيب، وكلامه طيب، ومطعمه طيب، ومشربه طيب، وملبسه طيب، ومدخله طيب، ومخرجه طيب، ومنقلبه طيب، ومثواه كله طيب، فالله جعل الطيب بحذافيره في الجنة، وجعل الخبيث بحذافيره في النار.
فجعل الدور ثلاثة:
دارا أخلصت للطيبين، وهي حرام على غير الطيبين، وقد جمعت كل طيب وهي الجنة
ودارا أخلصت للخبيث والخبائث، ولا يدخلها إلا الخبيثون وهي النار.
ودارا امتزج فيها الطيب والخبيث، وخلط بينهما وهي هذه الدار.
ولهذا وقع الابتلاء والمحنة بسبب هذا الامتزاج والاختلاط، فإذا كان يوم معاد الخليقة ميز الله الخبيث من الطيب، فجعل الطيب وأهله في دار على حدة لا يخالطهم غيرهم، وجعل الخبيث وأهله في دار على حدة لا يخالطهم غيرهم، فعاد الأمر إلى دارين فقط: الجنة وهي دار الطيبين، والنار وهي دار الخبيثين. [زاد المعاد 1/66]
الأثر الرابع: الحياة الطيبة جزاء الطيبين في الدنيا والآخرة: -
فالمؤمن حاز طيب الحياة الأبدي في الدنيا والآخرة، وبيان ذلك ما يلي:
أولا: الحياة الطيبة في الدنيا:
إن أطيب العيش، العيش مع الله، من ناله فقد نال أوفر الحظ والنصيب، يقول ابن القيم في ذلك:
((قد جعل الله الحياة الطيبة لأهل معرفته ومحبته وعبادته، فقال تعالى:﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾[النحل: 97]
وقد فسرت الحياة الطيبة بالقناعة والرضا، والرزق الحسن وغير ذلك، والصواب: أنها حياة القلب ونعيمه، وبهجته وسروره بالإيمان ومعرفة الله، ومحبته، والإنابة إليه، والتوكل عليه، فإنه لا حياة أطيب من حياة صاحبها، ولا نعيم فوق نعيمه إلا نعيم الجنة، كما كان بعض العارفين يقول: إنه لتمر بي أوقات أقول فيها إن كان أهل الجنة في مثل هذا إنهم لفي عيش طيب، وقال غيره: إنه ليمر بالقلب أوقات يرقص فيها طربا، وإذا كانت حياة القلب حياة طيبة تبعته حياة الجوارح، فإنه ملكها، ولهذا جعل الله المعيشة الضنك لمن أعرض عن ذكره، وهي عكس الحياة الطيبة، وهذه الحياة الطيبة تكون في الدور الثلاث، أعني: دار الدنيا، ودار البرزخ، ودار القرار، والمعيشة الضنك- أيضا- تكون في الدور الثلاث، فالأبرار في النعيم هنا وهنالك، والفجار في الجحيم هنا وهنالك، قال الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ ﴾[النحل:٣٠] [مدارج السالكين ٣/ ٢٤٣].
ثانيا: الحياة الطيبة في الآخرة:
لما طابت أقوال المؤمنين وأفعالهم في الدنيا، طابت لهم الدار الآخرة، وأنزلهم الله المساكن الطيبة، يقول رسول الله ﷺ: »إن في الجنة غرفا يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، قال أبو مالك الأشعري: لمن هي يا رسول الله؟ قال: من أطاب الكلام، وأطعم الطعام، وبات قائما والناس نيام« فلا يسمعون فيها إلا طيبا﴿ لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا ﴾[ الواقعة: ٢٥]، ولا يرون إلا طيبا ﴿ لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ ﴾[يونس: ٢٦]، والزيادة: هي رؤية وجه الكريم سبحانه، وحتى أنفسهم وأنفاسهم طابت؛ كما قال رسول الله ﷺ: »إن أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون، ولا يتفلون، ولا يبولون، ولا يتغوطون، ولا يمتخطون، قالوا: فما بال الطعام؟ قال: جشاء، ورشح كرشح المسك، يلهمون التسبيح والتحميد كما تلهمون النفس« يقول تعالى: ﴿ الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ ۙ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾[النحل: ٣٢]، وقال تعالى:﴿ وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ ﴾[الزمر: ٧٣]، فعقب دخولها على الطيب بحرف الفاء الذي يؤذن بأنه سبب للدخول، أي: بسبب طيبكم قيل لكم: ادخلوها.
وقد وصف الله تعالى منقلب المؤمنين في الآخرة بالطيب، فحياتهم طيبة، ومساكنهم طيبة ومطاعمهم ومشاربهم طيبة، وذلك في غير ما آية من كتابه، فقال سبحانه:﴿ وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ۚ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ۚ ذَلِك هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾[التوبة: ٧٢]، وقال سبحانه:﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾[النحل: 97]، وقال سبحانه:﴿ وسقاهم ربهم شرابا طهورا﴾[الإنسان:٢١]
فاللهم اجعلنا من عبادك الطيبين الذين يقال لهم يوم القيامة:﴿ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ. ﴾[الأعراف: ٤٩]
اللهم ربنا ولك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه.
اللهم إنا نسألك علما نافعا، ورزقا طيبا، وعملا متقبلا